أنهار خفية أم مياه جوفية: نظرة تراثية

on 01 February 2023, 10:01 AM
يعرب قحطان الدورى
أ.د يعرب الدوري
الجامعة الأميركية في العرق، السليمانية

الملخص

يعتبر مصدر الاحتياجات المائية هما المياه السطحية كالأنهار والبحيرات ومجاري الوديان والمياه الأرضية كالآبار والينابيع والكهوف. أثبتت الدراسات الجيولوجية أن أقل من 3% من المياه العذبة توجد في الأنهار والبحيرات أما 97% فإنه يوجد في باطن الأرض. يرجع استغلال المياه الجوفية إلي العصور القديمة، حيث قام قدماء المصريين بحفر الآبار للحصول على المياه من مصادرها الجوفية، لكن ظل استخدامها محدوداً بل ويكاد يكون محصوراً في بعض المناطق الصحراوية القاحلة والتي لا تتوفر فيها مصادر مياه سطحية. ومع التطور الكبير في العلوم والتكنولوجيا تضافرت جهود لدراسة المياه الجوفية والاعتماد عليها مع تزايد السكان في جميع أنحاء العالم.

المقدمة

كثر الحديث عن المياه الجوفية بالصحراء الغربية المصرية بعضها يتدفق من واحة الكفر جنوب شرق ليبيا في اتجاه شمال ليبيا، وبعضها أتي من حوض نهر النيجر مخترقا الصحراء المصرية. والرأي حسب الدكتور دياب أن حقيقة المياه الجوفية لا يكشفها الا حفر بئر جوفي أو جس كهربائي يثبت أو لا يثبت ان هناك مياهاً، فماهي كميتها وما نوعها؟ ونستطيع استنتاج أنه لا توجد أنهار مياه جوفية تحت الصحراء المصرية عموما ولكن توجد خزانات مياه جوفية في صخور ورواسب تحتوي المياه بين حبيباتها طبقا لفكرة احتواء الاسفنج للمياه وتتحرك المياه بين هذه الحبيبات طبقا لضغط المياه واتجاه هبوطه ويمكن سحب المياه التي تحفر على عمق في الرواسب والصخور التي بها المياه الجوفية في الخزان الجوفي. إذن هناك خزانات مياه جوفية بين حبيبات الصخور التي يمكنها حفظ المياه وقادرة على بثها عند ضخ المياه منها وهناك مناطق مياه جوفية ذات ضغط مائي مرتفع عند مناطق تغذية الخزان الجوفي ومناطق مياه جوفية ذات ضغط منخفض عند مناطق سحب المياه من بئر أو مجموعة آبار تضخ مياها من الخزان الجوفي ذاته وبالطبع تتحرك المياه من مناطق التغذية الأعلى الى مناطق السحب داخل ثنايا الصخور وتتحكم فيها كسور وطيات.

اما الدكتور عودة فقد رأى أن النهر يمتد على مساحة 3 مليون و485 ألف فدان من تشاد إلى مصر هو اكتشاف أنهار قديمة فى بحر الرمال الأعظم وأنه اكتشاف سيغير وجه الحياة فى مصر. وسيغير المفاهيم الجيولوجية عن بحر الرمال الأعظم في الجزء الغربي من الصحراء الغربية وأنه بحرا من المياه الأعظم التي تسبح على الخزان الجوفي النوبي.
اما الربط البيئي بالماضي التاريخي فكان من تشخيص المهندس الكحيل حيث رأى أن زيف اعتقاد أن الفراعنة شيدوا الأهرامات في مناطق صحراوية كما يشاهدونها اليوم. فالمعروف أن الفراعنة بنوا حضارتهم قبل آلاف السنين. وتبين الدراسات التاريخية أن الناس في ذلك الزمن كانوا يعيشون في رفاهية ونعيم وبيئة مناسبة للتطور والازدهار.

التكنولوجيا تبهر بالاكتشافات

وجد البروفسور Liviu Giosan بعد دراسة معمقة باستخدام بيانات القمر الصناعي أن غزارة الأنهار ساهمت في تشكل هذه الحضارات القديمة، وبسبب زوال هذه الأنهار زالت الحضارات واختفت تدريجياً عبر آلاف السنين. يربط العلماء في هذه الدراسة بين ازدهار الحضارة وغزارة الأنهار المتدفقة في منطقة ما. فالصحراء العربية مثلاً والتي تمتد من مصر إلى ليبيا والجزائر لآلاف الكيلومترات كانت ذات يوم مزدهرة والأنهار تتدفق فيها.

يقول البروفسور Michael Petraglia من جامعة أكسفورد: هذه الرمال تخفي تحتها شبكة هائلة من الأنهار التي كانت ذات يوم تغذي الحضارة المصرية، والتي مكنت الفراعنة من إقامة مملكة عظيمة وذلك قبل خمسة آلاف سنة تقريباً. تخبرنا الدراسات العلمية الجديدة أن الفراعنة نحتوا هذه التماثيل في أرض مليئة بالحياة والماء والأشجار، ولكن عوامل الجفاف وتغير المناخ سبب نزوح السكان وتصحّر هذه المنطقة واختفاء معظم أشكال الحياة منها.

تظهر صورة بالأقمار الاصطناعية كيف انقرضت الحياة البشرية من معظم أنحاء مصر وانحصرت الحياة فقط في منطقة نهر النيل (الشريط الأخضر). ويؤكد العلماء أن هذه المنطقة الصحراوية كانت ذات يوم خضراء مزدهرة ومليئة بالبحيرات والأنهار والنباتات وكانت الينابيع تتدفق في كل مكان.

أما العلماء اليوم فrد أكدوا أن مصر القديمة في زمن الفراعنة كانت مليئة بالمزارع والنباتات وأشجار الفاكهة، واستدلوا على ذلك من خلال الكميات الكبيرة والمتنوعة من غبار الطلع، والتي عثروا عليها مخبأة في رمال الصحراء لآلاف السنين. مدعومين بالنص القرآني الكريم: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ). إشارة إلى وجود أنهار في مصر القديمة وهو ما لم يكن معلوماً زمن نزول القرآن الكريم.

كما أن الدراسة الجديدة تؤكد أن الصحراء العربية في شمال أفريقيا ليست الوحيدة التي ازدهرت فيها حضارات بفعل الأنهار والغابات والمروج، إنما هناك منطقة في صحراء الربع الخالي في شبه جزيرة العرب كانت تتمتع بشبكة من الأنهار والحضارات دفنتها رمال الصحراء.

كما تظهر صورة حديثة بالأقمار الاصطناعية لمنطقة الربع الخالي في الجزيرة العربية، وجود بحيرة كبيرة ومجموعة من الأنهار دفنتها الرمال قبل آلاف السنين. ويحاول العلماء في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا التنبؤ بمستقبل هذه المنطقة وتؤكد الدراسات العلمية أنها ستعود كما كانت أنهاراً ومروجاً خلال السنوات القادمة.

يقول العلماء من أهم الأحداث التي أثرت على مصر القديمة هو الجفاف الذي ضرب مصر قبل 4200 سنة، وأدى لمجاعات ولعب دوراً في نهاية مملكة مصر القديمة. فقد بدأت موجات الجفاف بالهيمنة على المشهد المصري القديم بشكل متتابع حتى أنهكت البشر، وربما تكون بداية هذه الموجات قبل 4200 سنة تقريباً. وهنا نتذكر سورة يوسف والمجاعة التي حدثت في زمانه. يقول تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ).

توافق التراث مع الاكتشافات الحديثة

قام البروفسور Benjamin P. Horton بالمسح الجيولوجي في منطقة الأهرامات وأبو الهول ووجد أن هذه الصحراء التي تقبع فيها هذه الآثار القديمة كانت في يوم من الأيام تعج بالحياة والأنهار والغابات والزروع ومختلف أصناف الفواكه.

أما علماء الجغرافيا والتاريخ ومنهم المقريزي في كتابه والأندلسي في كتابه وغيرهما فقد تناقلوا الرواية التي تقول: كانت الأنهار تجري تحت سريره وكانت أربعة أنهار.

وفي عصرنا الحالي، في نوفمبر من عام 1981 أطلقت المركبة الأمريكية الفضائية، التي كانت تحمل اسم كولمبيا في رحلتها الثانية إلى الفضاء التي التقطت صوراً لمنطقة الجلف الكبير.

شكل 1: وادي «عبد الملك» من أشهر وديان هضبة الجلف الكبير

والعلماء الذين أشرفوا على هذه المهمة ودراسة الصور العلمية هم: تشارلز العشي المسئول عن أجهزة دفع المركبة الفضائية – وهو الباحث الرئيس في هذه المهمة – وجيرالد جي شابر رئيس فرع الجيولوجيا الفلكية في أريزونا، لدراسة الصور التي التقطتها مركبة كولمبيا بالإضافة إلى كارول بريد وجون ماكولي وموريس جرولير.

صورة 1: د. تشالرز العشي: المسؤول عن نظام التشغيل والدفع للمركبة الفضائية في مختبر ناسا
صورة 2: د. جون ماكولي: عالم في الجيولوجيا وعضو في فريق المسح الجيولوجي الأمريكي
صورة 3: د. شابر جيرالد: رئيس فريق المسح الجيولوجي الأمريكي ورئيس فرع الجيولوجيا الفضائية في أريزونا.

يقول جون ماكولي Mccawly: لقد استطعنا أن نرى ما تحت سطح الصحراء وأن نستخدم الرادار إلى أكثر من خمسة أمتار. وفي عام 1982 قام فريق من الجيولوجيين، بقيادة الدكتور باهي عبساوي مدير سلطة التنقيب والمسح الجيولوجي المصرية، بحملة تنقيب للتأكد من وجود الأنهار التي أظهرتها الصور الفضائية كولومبيا، وكان يرافقه في هذه الحملة عدد من الجيولوجيين مثل شابر وماكولي وجرولير من فريق المسح الجيولوجي الأمريكي وإلاتشي: ورون بلوم، من المختبر المسئول عن دفع المركبة الفضائية، وعدد من العاملين المصريين في هذا الميدان. في هذا الموقع الجيولوجي بدأ العمال بحفر حفر في اللوح الرملي، وفي المنطقة التي أشارت إليها صور المركبة الفضائية إلى وجود أودية عميقة تحت الرمال، ولم يمض وقت طويل حتى بدأت تظهر الأدلة، فقد كشف الفريق عن وجود رمال نهرية وحصى نهري مستدير الشكل وبعض أدوات العصر الحجري التي جمعتها السيول والمياه الجارية.

وبعد نجاح الحملة الأولى، نظّمت حملات أخرى لمتابعة المسيرة، ففي عام 1983 قام نفس العلماء بدعم من المؤسسة الأمريكية والمصرية بحملة جديدة، فقد ركبوا سياراتهم الخاصة بالرمال، واتجهوا إلى أطراف الصحراء الغربية، ولكنهم هذه المرة استعانوا بستة أقمار صناعية أمريكية عسكرية تدور في المنطقة. وقد وجد العلماء عدداً كبيراً من تلك الممرات، واستطاعوا تحديد شبكة من الأنهار الضخمة التي كانت موجودة هناك. لكن من المفارقات العجيبة التي شاهدوها أن الرمال مازال رطباً. ودهشوا في البداية لعثورهم على رمل مازال رطباً، لأن المنطقة بعيدة جداً عن الواحة، ومما أثار دهشتهم، أن الرطوبة توحي بوجود مخزونات مائية جوفية هائلة. كان المناخ في تلك الحقبة الزمنية، يساعد على وجود حياة نباتية وحيوانية، وقد جفّ الماء السطحي قبل حوالي 5000 سنة أو أقل، وبالتالي هجر الإنسان تلك المنطقة، وكذلك الحيوانات بعد جفاف النباتات.

شكل 2: الصحراء الغربية

كذلك أكدت دراستهم أن الصحراء العربية في شمال أفريقيا ليست الوحيدة التي ازدهرت فيها حضارات بفعل الأنهار والغابات والمروج، إنما هناك منطقة في صحراء الربع الخالي في شبه جزيرة العرب كانت تتمتع بشبكة من الأنهار والحضارات دفنتها رمال الصحراء.

شكل 3: صورة بالأقمار الاصطناعية لمنطقة الربع الخالي في الجزيرة العربية، تظهر وجود بحيرة كبيرة ومجموعة من الأنهار دفنتها الرمال قبل آلاف السنين

إن هذه الآيات والدراسات الحديثة تشهد على إعجاز علمي يؤكد على حقيقة وجود أنهار مصر القديمة كمعجزة ثابتة، وحقيقة دامغة.

المصادر:

⦁ القرآن الكريم
⦁ اكتشاف أنهار قديمة في بحر الرمال الأعظم ستغير من شكل الحياة في مصر، الدكتور خالد عودة، موقع مصرس http://www.masress.com/dostor/58408
⦁ المسالك والممالك، أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري الأندلسي (المتوفى: 487هـ)، دار الغرب الإسلامي، 1992م.
⦁ المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، أحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي، تقي الدين المقريزي (المتوفى: 845هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1418 هـ
⦁ أنهار مصر القديمة: معجزة جديدة للقرآن، المهندس عبدالدايم الكحيل، ⦁ www.kaheel7.com/ar
⦁ هل توجد أنهار مياه جوفية تحت الصحراء المصرية؟ د‏.‏ مغاوري شحاتة دياب، الاهرام، السبت 24 من ذي القعدة 1432 هـ 22 اكتوبر 2011 السنة 136 العدد 45610
– Ancient network of rivers and lakes found in Arabian Desert, 1/5/2012, http://phys.org/news/2012-05-ancient-network-rivers-lakes-arabian.html
– Climate and drought lessons from ancient Egypt, 16/8/2012, https://www.sciencedaily.com/releases/2012/08/120816110839.htm
– Climate change led to collapse of ancient Indus civilization, study finds, 28/5/2012, https://www.sciencedaily.com/releases/2012/05/120528154943.htm