تميزوا فاستحقوا

on 12 April 2021, 04:37 PM
د. سمية مناصرى
د. سمية مناصرى


يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) صدق الله العظيم ( سورة الحج : الاية 46)
الإنسان لم يضيعه ضعف القوة وإنما ضعف البصيرة ضيعه.
فيظل ضعيفاً مهما استقوى، والدين هو جابر هذا الضعف ، لذلك عندما يزول عنه وهم القوة يعود الإنسان إلى الدين.

الله تبارك وتعالى كرم بني البشر بأن أرسل لهم نبي الرحمة هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، فأرسله برسالة الإسلام السَّمْحة، والتي تدعو إلى العدل بين خلق الله، وأنَّ الناس سوف تحاسَب على أعمالها وعلى تقوى القلوب، وليس على أشكالهم، وألوانهم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13
ان فكرة كتابتي لهذا المقال لم تأتي من فراغ انما كانت من خلال خبرتي الماضية في العمل بين دمج العلاج الفيزيائي والدعم النفسي للأشخاص ذوي الاعاقة ، سمعت منهم الكثير عن معاناتهم وصرخاتهم ، فرأيت من واجبي الديني والأخلاقي أن أسلط الضوء على هذه الفئة والتي تعد مهمشة نوعاً ما.

في البداية لو أردنا أن نعرف الإعاقة سوف نراها مصطلح يتم التعبير عنه لإصابة الشخص بنوع من أنواع العجز المختلفة والتي تعيقه عن القيام بنشاط معين ، قد تكون إعاقة حركية أو حسية بالإضافة إلى الإعاقة العقلية.
أما أسباب حدوث الإعاقة فمن الممكن أن تكون وراثية وهذه من الأسباب الأقل تاثيراً وتأتي نتيجة انتقال الجينات من جيل إلى آخر .
و قد تكون أسباب بيئية تعرض الأم للحصبة الألمانية أو مرض معين أو حين الولادة يتعرض الطفل إلى نقص في الأوكسجين مما يسبب له شلل دماغي فيأثر على جسده.

جميع هذه الأسباب كفيلة بأن تجعل من حركة هذا الشخص محدودة وربما معدومة لدى البعض الآخر ، فتكون الصدمة الأولى لدى أسرته أن لديهم طفل عاجز عن أداء عمله ومهامه اليومية .
وهنا نستطيع أن نقسم الأهل إلى نوعين ، النوع الأول من الأسر يخجل من هذا الطفل ويعزله في المنزل ويخجل أن يعرف الآخرين بأن لديه طفل من ذوي الحاجات الخاصة، والنوع الثاني من الأهالي يفرط في حبه وحنانه على طفله، و في الحالتين هناك تأثيرات سلبية على الطفل .

أما المشكلة الثالثة فتكمن في نظرة المجتمع إلى هذا الطفل والذي أصبح من ذوي الحاجات الخاصة ، وهذه النظرة إما أن تكون نظرة اشمئزاز أو نظرة شفقة وكلاهما أيضاً له نتائج وخيمة على نفسية هذا الشخص فيسبب له الإحباط واليأس والشعور بالضعف وعدم الاطمئنان، مما يؤدي إلى الانزواء والعزلة داخل المنزل، نتيجة عدم ثقته بنفسه واستسلامه للواقع الذي يعيشه.

كل هذا قد يكون سبباً رئيساً في عدم مشاركة الشخص المناسبات الاجتماعية أو حتى عدم تقبل البعض في دمج هذا الشخص المصاب بالإعاقة في العمل وحرمانه من حقوقه المشروعة فقط لأنه من ذوي الحاجات الخاصة وهذا له نتائجه النفسية السلبية على شخصية الشخص المصاب بالإعاقة

لأن المجتمع يرفض وجوده فيسبب له العزلة ، وهذه العزلة تؤدي إلى ضعف الشعور بالانتماء إلى المجتمع والإحساس الدائم بالغربة ، مما يسبب ذلك الإحباط والكبت ، عدم الثقة بالنفس لأنه غير قادر على تحقيق أحلامه وأهدافه. بالإضافة إلى الشعور الدائم بعدم الاستقلالية عن الآخرين وأنه عاجز، فيؤدي به المطاف إلى الاستسلام لإعاقته ،بالإضافة إلى شعور الأشخاص المصابين بالإعاقة بالدونية والنقص لعدم قدرتهم على منافسة الآخرين بسبب وضعهم .
أيضاً هؤلاء الأشخاص يفقدون الأمن ولديهم الشعور الدائم بالقلق والخوف ، ومن الممكن أن نرى لديهم ضعف في التوازن الانفعالي فيكونوا عرضة للمشاكل النفسية.
جميع هذه الصفات أو السمات قد تحصل لهذه الفئة بحال المجتمع لم يتقبلهم ونفر منهم.
إن الأشخاص من ذوي الحاجات الخاصة هم بشر ولكنهم تعرضوا لنوع من الإصابات أو الحوادث والتي أدت نتائجها أنهم أصيبوا بالإعاقة فليس من اللائق التنمر عليهم أو النفور منهم في المجتمع.
هؤلاء الأشخاص لهم حقوق يجب على المجتمع دمجهم من ناحية التعليم وإعطاء الرأي ، ولهم الحق أيضاً في تأهيلهم بمراكز خاصة ، وكذلك لهم الحق في الزواج وتكوين أسرة ، وكذلك لهم الحق في التمتع بحقوقهم الاجتماعية والقانونية ، و لهم الحق في التعليم الجامعي ومشاركتهم في العمل لأنهم من اصحاب الاختصاصات.
على المجتمع أن يعطي الأشخاص من ذوي الحاجات الخاصة الدعم النفسي والمعنوي من خلال دمجهم مع الأفراد والمجتمع وعدم عزلهم والتمييز ، والعمل على مساعدتهم في تحقيق ما يريدونه من حقوق ، وأيضاً على المجتمع حماية الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة من العنف والاستغلال .

لقد سمعنا وقرأنا عن شخصيات عالمية كانوا من ذوي الحاجات الخاصة ولكنهم أبدعوا في مجتمعهم وتركوا بصمات مميزة لازلنا نذكرهم لهذه اللحظات فكان منهم العالم والكاتب والفنان والأديب.
فلم تكن الإعاقة بالنسبة لهم حاجزاً تبعدهم عن تحقيق أحلامهم ، بل كانت الإعاقة من وجهة نظرهم تحدي وقوة وكسر لجميع الحواجز التي وضعها مجتمعهم لهم ، لا بل أكثر من هذا إذ حولوا نظرة شفقة الآخرين لهم إلى نظرة انبهار وتحقيق الأهداف من خلال الإنجازات العلمية والأدبية والفنية .

طه حسين كان ضريراً لا يرى ومع ذلك زودنا بكتاباته الجميلة والتي تحدى فيها المبصرين فأصبح عميد الأدب العربي. وهو الذي قال:”لم أتصرف في يوم من الأيام على أنني أعمى، حتى في الأوقات التي عيرني فيها البعض بهذه العاهة، كنت أسخر منهم، وأستشعر أن من عيرني هو الأعمى ولست أنا”

بيتهوفن لازلنا نستمع الى موسيقاه المميزة رغم أنه كان لا يسمع ، كان شعار هذا الفنان “لا حياة مع اليأس ولا يأس مع الحياة” ، فهو لم يتحدى المجتمع فقط بل سطر اسمه في التاريخ .

“إديسون” أكبر مخترعي القرن الـ 20 أصيب بفقدان السمع خلال سنواته الأولى، إلا أنه تمكن من ابتكار العديد من الاختراعات التي غيرت مجرى التاريخ منها المصباح الكهربائي وتطوير آلة التصوير السينمائي والتلغراف.
خلاصة القول : من خلال عملي الطويل مع هذه الفئة رأيت الذين تم دعمهم معنوياً ونفسياً كيف أثبتوا وجودهم في المجتمع المحلي وكانوا من المميزين و قادة في المؤسسات المحلية وهم من وضعوا الأهداف لجميع الموظفين رغم فقدانهم لحاسة البصر، حطموا كل القيود التي وضعها المجتمع فأصبحوا مثلاً يحتذى به. لذا يجب على المجتمع تغيير نظرته إلى الأشخاص من ذوي الحاجات الخاصة ومعاملتهم كسائر البشر ومدهم بالدعم النفسي والمعنوي.
بعد جميع هذه النماذج وغيرها نستطيع أن نقول بأن الاعاقة لا تكمن في الجسد وانما الاعاقة هي في الفكر.