وحدة الصَّفِّ العربيِّ (الهدف المُغَـيَّب)

on 25 July 2021, 05:45 PM
د. أحمد تمّام سليمان كلِّـيَّة الآداب- جامعة بني سويف- مصر
د. أحمد تمّام سليمان كلِّـيَّة الآداب- جامعة بني سويف- مصر

التُّراث العربيُّ زاخرٌ بأدبيَّاته عن الوحدة، فالعرب كانت ترى في الاتِّحاد قـوَّةً، وَتَـنْعَى على من تفرَّق بقولهم: “شقَّ فلانٌ عصاهم”، وتخيَّرَتِ الغريب اللُّغويَّ للتَّعبير عن الـفُـرْقَة؛ لتبشيع صورتها في عين المتلقِّي، مثل: تفرَّقوا “شَذَرَ مَذَرَ”، و”جِذَعَ مِذَعَ”، أو أن تستدعي التَّـاريخ فـ”السَّعيد من وُعظ بغيره”، فتوضِّح أنَّ القوم تفرَّقوا كـ”أيدي سبأ”، كما أوضحَتِ العرب أنَّ الهوان يلحق بمن ندَّ عن المجموع، فتقول: “ضربهم ضرب غرائب الإبل”، فالغريبة هي الَّتي ليست من قطيعهم، فـيُـذبُّ بها عن الحوض، أو أن تسرد قصصًا مضمونها يهدف إلى الوحدة، كقولهم: “أُكِلْتُ يوم أُكل الثَّـور الأبيض”، كما حذَّرَتِ العرب من الشُّرود، قائلةً: “لا يأكل الذِّئب من الغنم إلَّا القاصية”، أي: الشَّاردة.
وقد جاء القرآن الكريم متمثِّـلًا هذه الأدبيَّات العريقة، ومتـوِّجًا إيَّاها بأدبيَّاته الخاصَّة، كأن يمدح المؤمنين به لتماسكهم كالبنيان المرصوص، في قوله –تعالى-: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُـقَـاتِـلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُـنْـيَـانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [سورة الصَّفِّ: الآية 4]، وأن يحذِّرهم الخلاف المفضي بهم إلى الهزيمة، الَّتي عـبَّـر عنها بذهاب الرِّيح، في قوله –تعالى-: ﴿وَلَا تَـنَازَعُوا فَـتَـفْـشَلُوا وَتَـذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [سورة الأنفال: الآية 46]، ودائمًا يصف القرآن والسُّـنَّة أتباعهم بالأخوَّة الجامعة؛ في الدُّنيا كقول الرَّسول –صلَّى الله عليه وسلَّم-: “وكونوا عباد الله إخوانًا” [رواه البخاريُّ في صحيحه والأدب المفرد- ومسلمٌ في صحيحه- ومالكٌ في الموطَّـإ.. وغيرهم]، وفي الآخرة كقوله –تعالى-: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَـقَابِـلِـينَ﴾ [سورة الحِجْر: الآية 47]، فعلى أمَّة العرب أن تنطلق من كلمة التَّوحيد إلى توحيد الكلمة.
ويجب إمعان النَّظر في ملفِّ العلاقات الخارجيَّة، فلتـفسُّخ العلاقات بين الدُّول العربيَّة فُـتك بالواحدة منها تلو الأخرى، فيما عُرف بـ”ثورات الرَّبيع العربيِّ”، فـ”الثَّورة” قد تأتي بمعنى “الفتنة”، ففي مسرحيَّة “رجلٌ في القلعة” لأبي العلا السَّلامونيِّ، أطلق على مصر “أرض الفتن” بمعنى “أرض الثَّورات”، والحقُّ أنَّ الثَّورة مشروعةٌ عندما يطفح كيل الاستبداد، فتهبُّ الشُّعوب هَـبَّةً للتَّحرُّر من رِبْـقَةِ الاستعباد، وقد لَهَجَتْ ألسنة العامَّة بشعارات “يسقط حكم…”، و”الشَّعب يريد…”، وعلى المتلقِّي أن يملأ فجوات النَّصِّ، وفق معاناته في الحقبة الَّتي يرى أنَّ حكَّامها فقدوا فيها الرَّشادة، ويكفي جموع العامَّة أنَّ الزَّمان أصبح منشِدًا شعاراتها.
ولكنَّ “نظريَّة المؤامرة” الَّتي يتشدَّق بها العرب ليلَ نهارٍ قد يكون هنا محلُّها، فلم تَجْنِ الشُّعوب العربيَّة من شظف العيش إلَّا ازدياد قساوته، ومن رفض الـقـيـد إلَّا ازدياد استحكامه، ولم تكن تطمح هذه الشُّعوب المغلوب على أمرها إلَّا إلى متطلَّباتٍ أساسيَّةٍ تحقِّـق الإنسانيَّة، لخَّصها شعارها: “عيشٌ- حرِّيَّةٌ- كرامةٌ إنسانيَّةٌ- عدالةٌ اجتماعيَّةٌ”، فما كان إلَّا أن تُحْدِقَ الأخطار بالأقطار، وتحدث المـفارقة بأن ازداد الغنيُّ غنًى وازداد الفقير فقرًا، ولو كان العرب حكَّامًا ومحكومين في الدَّاخل والخارج يدًا واحدةً على من عاداهم، لما فُعل بهم الأفاعيل وما صاروا أُلْعُوبَةً في يد الغرب يحرِّكونهم كـ”عرائس الماريونت”، وفي الوقت الَّذي نعمَتْ أوروبَّا فيه بسوقٍ أوربيَّةٍ مشترَكةٍ، وعملةٍ موحَّدةٍ هي الـ”يورو” إلى جوار عملة كلِّ دولةٍ على حدةٍ، لم تفلح الإرادات العربيَّة في تكوين سوقٍ عربيَّةٍ مشترَكةٍ أو عملةٍ موحَّدةٍ.
فالحلُّ –في نظري- ليس في “الثَّورة” وإنَّما في “الوحدة”؛ الوحدة الَّتي فرضَتْهَا الجغرافيا ليكون العرب شعوب بلادٍ متجاورةٍ، وفرضَتْهَا اللُّغة ليكون العرب أبناء لسانٍ واحدٍ، والأرض واللُّغة مقـوِّمان للشُّعوب، فضلًا عن الدِّين الَّذي يوحِّدهم في العقائد والأخلاق، والتَّـاريخ الَّذي يذكِّرهم بأمجادهم الَّتي خَلَتْ، وما إلى ذلك من روابطَ ظهرَتْ تجلِّياتها في الأدب والثَّـقافة والحضارة، الَّتي اتَّسَمَتْ بسمة “العروبة”، ولم يُـفِـدْ منها العرب المعاصرون لأنَّه لم تنعقد الـنِّـيَّة على الوحدة، فمنذ زهاء ربع قرنٍ انفرطَتْ أولى حبَّات المسبحة، فتجعل أمريكا غزو العراق المَوْتُور للكويت ذريعةً لاحتلاله، ورحم الله زمانًا كان من يحكم مصر فيه يُطلق عليه “حاكم مصر والسُّودان”، ثـمَّ اسـتـقـلَّا إلى دولتيْنِ، ثـمَّ اقـتـتـل شمال السُّودان وجنوبه حتَّى انـفصلا إلى دولتيْنِ أخرييْنِ، طالتهما الثَّورة بعد الانفصال، وتجربة الوحدة بين مصر وسوريا الَّتي قامَتْ ومادامَتْ… وغيرها، في العصر الَّذي اتَّحَدَتْ فيه الألمانياتَانِ (الشَّرقيَّة والغربيَّة)، وقبلهما الفيتنامتَانِ (الشَّماليَّة والجنوبيَّة)، ومؤخَّرًا طالب الأكراد بانفصال إقليم كردستان عن العراق، والبقيَّة تأتي!
أليس من العار أن تظلَّ دولةٌ عربيَّةٌ إسلاميَّةٌ اسمها “فلسطين” محتـلَّةً، ويظلَّ أبناؤها يَرْزَحُونَ تحت نَيْرِ عدوِّهم الغاشم؟! بعدما ناضل العالَم للخلاص من رِبْـقَةِ الرِّقِّ والعبوديَّة والاستعمار، ونحن في مقتبل الألفيَّة الثَّـالثة الَّتي يتنادى فيها العالَم بأسره -لاسيَّما الغربيَّ- بالحرِّيَّات والتَّمتُّع بحقوق الإنسان ومناهضة التَّمييز العنصريِّ، أم أنَّ هذه القيم حلالٌ لأبناء العالَم الأوَّل من أوروبَّا وأمريكا، حرامٌ على أبناء العالَم الثَّـالث من العرب والمسلمين؛ ذلك لأنَّ سياسة العالَم تقوم على الكيل بمكياليْنِ حتَّى غَدَتْ حقوق الحيوان في الغرب أثمن في الدِّفاع عنها من حقوق الإنسان في الشَّرق!
وفي سنة ألفيْنِ وإحدى عشرة أطـلَّتِ الثَّورات بقَـرْنها على تونس ومصر وليبيا واليمن، وأخيرًا الجزائر ولبنان، ووُئدَتِ الثَّورة في مهدها وانطفأَتْ جذوتها الأولى في الأردن والبحريْنِ والمغرب، والدَّولة الَّتي لم تسقط في أتون الثَّورة استشرَتْ فيها فتنة القتل والتَّهجير كأبناء سوريا، فحين تضعف الدُّول تسري أفكار التَّطـرُّف، وحين تسقط الدُّول تُـشهر أسلحة الإرهاب، وما ظهر شبح “داعش” –تنظيم الدَّولة الإسلاميَّة في العراق والشَّام- إلَّا على أشلاء عددٍ من أوطاننا، وتلخيص العلاقات العربيَّة في كلمتيْنِ؛ الأولى تمثِّـل المشكلة وهي “انفراط عقد العرب”، الثَّـانية تمثِّـل الحلَّ وهي “وحدة صفِّ العرب”، وحريٌّ بنا أن نسير على هدي الله –تعالى- القائل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فِنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [سورة الحجِّ: الآية 78]، وفي موضعٍ آخَرَ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَـفَـرَّقُوا﴾؛ ليكون الاعتصام موضع امتنان الله على عباده قائلًا عقبها: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْـتُـمْ أَعْدَاءً فَـأَلَّفَ بَيْنَ قُـلُوبِكُمْ فَـأَصْبَحْـتُـمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [سورة آل عمران: الآية 103].
ولنا في رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- الأسوة الحسنة، في إرسائه مبدأ المساواة، حين قال: “إنَّ ربَّكم واحدٌ، وأباكم واحدٌ، ونبيَّكم واحدٌ، لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ، إلَّا بالتَّــقوى” [مسند الإمام أحمد بن حنبلٍ- من خطبة الوداع]، ولعلَّ هذا المبدأ النَّبويَّ هو الَّذي وطَّـأ لما يُعرف اليوم بـ”المواطنة”. وبعد بناء المسجد الَّذي يمثِّـل الهيئة الرَّسميَّة للاجتماع الإسلاميِّ، وضمن أولى الخطوات لبناء المجتمع الجديد، شرع الرَّسول –صلَّى الله عليه وسلَّم- “المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار”، كتعويضٍ للمهاجرين الَّذين تركوا ديارهم وأموالهم وتجاراتهم في مكَّة المكرَّمة، وكنظامٍ تكافُليٍّ في مجتمع المدينة المنوَّرة، والأمَّة العربيَّة هي الَّتي استوعبَتْ سلمانَ الفارسيَّ وصهيبًا الرُّوميَّ وبلالًا الحبشيَّ، وهي الَّتي مَجَّتِ العصبيَّة وحاربَتْهَا، فعلى أبناء العربيَّة ألَّا يتركوا جرح أمَّتهم راعفًا، دون أن يكفكفوا دموع المبتلين، وأن ينطلقوا من وحدة الثَّورة إلى ثورة الوحدة.
ومادام الشِّعر سجلَّ أيَّام العرب بانتصاراتهم وانكساراتهم، ودستور وحدتهم بمقوِّماتها ومعوِّقاتها، فيتحسَّر أمير الشُّعراء أحمد شوقي على سوريا، عندما كانت مُـثْخَـنَةً بجراحها بسبب الاستعمار الفرنسيِّ حينها، قائلًا [في قصيدته نكبة دمشق]:
وَيَجْمَعُـنَا إِذَا اخْتَـلَفَتْ بِلَادٌ ** بَيَانٌ غَيْرُ مُخْتَـلِفٍ وَنُطْقُ
وَلِلْأَوْطَـانِ فِي دَمِ كُـلِّ حُـرٍّ ** يَـدٌ سَلَـفَـتْ وَدَيْنٌ مُسْتَحَقُّ
وَلِـلْـحُــرِّيَّـةِ الْـحَــمْــرَاءِ بَـابٌ ** بِـكُــلِّ يَــدٍ مُــضَــرَّجَـةٍ يُـــدَقُّ
وأرى الذَّاتيَّة صنمًا يجب أن نتبرَّأ من دنسه بالوحدة، فأقول [من قصيدتي عقل العربيَّة الثَّـائر]:
عَــارٌ فِــي بَـــلَـــدٍ مُــتَــحَــضِّــر ** أَنْ تُــجْــهَـــضَ آرَاءٌ فِـــكْــرِيَّـةْ
عَــارٌ فِــي وَطَــنٍ مُـــتَـــمَـــزِّق ** أَنْ نَسْـعَى لِمَآرِبَ شَخْـصِـيَّةْ
الْــبَـانِي لِـلْـمُـسْـتَــقْــبَـلِ دَوْمًـا ** يُــعَــاهِــــدُ كَــــفَّ الْــحِــــرْفِــــيَّــةْ
فَـــيَـــبْـــزُغُ نُـــورُ الْــمَــجْــمُــوعِ ** وَتُــــطْــــفَــــأُ نَــــارُ الــــذَّاتِــــيَّـــةْ
يَــتَـهَـاوَى الـصَّــنَــمُ الْـجَــاثِـــمُ ** يَــتَـــوَحَّــدُ عَــلَـمُ الْــوَطَـــنِـــيَّـــة

 

ويتغنَّى الشَّاعر إبراهيم عبد العزيز السِّمريُّ بمقوِّمات هُويَّته، قائلًا [في قصيدته أنا العربيُّ]:
وَلِـي مَـــجْــــدٌ وَتَـــارِيــخٌ عَـــظِــيــمٌ ** وَلِــي دِيــــنٌ تَــــلَأْلَأْ بِـــالــضِّـــيَــاءِ
وَلِـي أَرْضٌ مُـــطَـــهَّــــرَةٌ تَـــلَـــظَّــى ** جَـحِـيـمًـا لِــلــطُّـــغَــاةِ الأَشْــقِـــيَـاءِ
قُــرُونًـا قَــدْ مَــلَأْنَــا الْأَرْضَ عِــزًّا ** وَضَاقَ الشِّرْكُ مِنْ طُولِ الثَّوَاءِ
وَلَـــكِــــنَّـــا تَـــــفَـــــرَّقْــــنَـــا فَـــهُـــــنَّـــا ** وَأَصْـبَحْــنَـا طَـحِـينًا فِـي الـرَّحَاءِ
أَفِـيـقُـوا أَيُّـهَـا الْـعُــرْبُ الـسُّـكَـارَى ** وَهُـــبُّـوا مَـــزِّقُــوا ثَــوْبَ الْــعَـــفَــاءِ
تَـعَالَـوْا نَـتَّحِـدْ فِي الْـخَـيْـرِ دَوْمًا ** وَنَجْـعَـلْ عَـهْــدَنَا عَـهْــدَ الْـوَفَاءِ
وَأَهْتِفُ مُنْشِدًا وِالْكَوْنُ يُصْغِي ** أَنَـا الْـــعَـــرَبِــيُّ مَــرْفُــوعَ الــلِّـــوَاءِ
*****