هل قابلت جورج فلويد؟

on 11 August 2020, 02:40 PM
أ.اسلام البارون
أ.اسلام البارون

بلغة التريند.. إذا ذكرت اسم “جورج فلويد” فأنت تريد أن تتحدث عن مآسي العنصرية المتكررة من أجهزة الشرطة الأمريكية ضد الأقليات، وأصحاب البشرة السوداء التي جعلت من حادثة خنق المواطن الأمريكي من أصل أفريقي تحت ضغط ركبة الضابط الأبيض، شرارة أشعلت أكبر الثورات المناهضة والمطالبة بتحقيق العدالة ضمن حركة black lives matter (حياة السود مهمّة) في أكبر الولايات الأمريكية بشكل غير مسبوق ، لتتجاوز سريعاً المحيط لتشتعل في أهم العواصم الأوربية في فرنسا وألمانيا و إنجلترا ..مع صرخة (لا أستطيع أن أتنفس) ، أخر كلمات جورج فلويد قبيل مفارقته الحياة.

وركعت العديد من الشعوب العربية في “حركة التضامن المشهورة” مع تلك الثورات، وضد العنصرية التي ينال منها العرب نصيب الأسد ضمن ما يسمي ظاهرة الخوف من الإسلام في الدول الأوربية (الإسلاموفوبيا).. لكن إذا أظهرت أخر إحصائية تتناول “خريطة العنصرية” في العالم عن احتلال 6 دول عربية مراكز متقدمة ضمن أكثر 10 دول عنصرية في العالم! فهل فعلاً نحن كأمة نمارس عنصرية تجعل كثير من “جورج فلويد”.. يعيش بيننا!!

فبعيداً عن ملحمة (عنترة) الذي يقوم أساسها على كراهية قومه للونه الأسود رغم انبهارهم بشجاعته وقدرته على حماية شرف قبليته في زمن الجاهلية … لكن نحن في زمن حديث يحتفظ فيه بقاموس عنصري موروث يردد على الألسن كأنه الماء والهواء! فأي صاحب/ة لون أسمر أو أسود فهو “الزنجي والفتاة الزرقة” في بلاد المغرب العربي.. و”الشكولاتة.. والليلة الضلمة … والزولة.. وعصمانه.. وبونجا بونجا” في مصر.. و”العبد / العبدة” في الشام ولبنان والأكثر دهشة إنها تردد أيضاً بين قبائل وأبناء السودان نفسه الذي يصنف نفسه بين أبيض وأحمر وألوان أخري!! والبيضاء فقط في اليمن من لديها فرص ارتفاع طلبها للزواج والسمراء فلتتنظر.. وتستمر بعدها شعارات المساواة وكلنا أخوة وعرب ثم نأكل “فستق العبيد” – وشوكولاتة “رأس العبد”!

ولا يخفي عن أحد إشكاليات ظاهِرَة عاملات الخدمة المنزلية من الأصول أفريقية، وتتعرَّض هذه الفئة من العاملات لشتَّى أنواع الانتهاكات بعد أن يكن قد تعاقدن مع شركات الاستقدام على أعمال الخدمة المنزلية، لكنهن يتعرضن للانتقاص من أجورهن، وزيادة ساعات العمل، والمعاملة القاسية، والتحرش الجنسي. وتقويض أي فرص على حماية أنفسهن وتظل أسيرة في منزل له أسياده.. ويتواصل الاستغراب حين تعلم أن هناك دولة عربية مازال بها أسواق، وأحياء خاصة للعبيد!! بينما يظل لظاهرة “البدون” في دول خليجية لها شأن أخر.    

 

ولتكتمل الصورة الإقصائية تلعب أدوات الدراما العربية وأكبرها المصرية، ضمن قوالب عفا عليها الزمن وتغير، لكنها لاتزال تتعمد بكل إصرار على إشباع المتفرج العربي بنظرة دونية هزلية ضد كل ما هو أفريقي وصاحب بشرة سوداء، خاصة فيما يسمي “كوميديا الإفيه” التي تحصر أي شخصية ذات بشرة سمراء بين أدوار مثل عصمان السفرجي وعبد المنعم البواب”، وعبد الله السواق والدادة “نعمات” التي تهتم بالأبناء وترعاهم في ظل راحة أمهاتهم، وأخيراً العرافة التي تقرؤ الكف وتطرد الجان.. والأفريقي الفارع الذي يتكلم لغة سريعة غير مفهومة، وبينما نضحك ونعيد تكرار هذه الجمل في الشوارع العربية، فنحن نخسر فعلياً على أرض الواقع مواقف تضامنية، وسياسية، وحياتية من دول شقيقة بسبب ترسبات نفسية، وتاريخية تنعكس على مواقف مصيرية.. ولنضحك أكثر!    

“جورج فلويد” وإن مات في أمريكا.. فيجب ضمن هذه اللحظة المصيرية التي يسعي في العالم الحر أن يحاسب حضارته ويعيد تصحيح تاريخه مع العنصرية، أن نكف عن جدل حول هل فعلاً لدنيا عنصرية؟ .. ويجب أن نسعى فوراً إلى تشريعات صارمة تحمي حق المواطنة والإنسانية كما فعلت “تونس” بإصدار قانون يجرم العبودية والعنصرية في البلاد، والشروع في التصدي للتشرذم العنصري والفشل في إدارة التنوع وتشظي النسيج العربي وهضم الخطاب العنصري، بين مفردات حياتنا اليومية حتى يتنفس أخوة “جورج” بحرية في بلاد عربية تركع وتسجد وتردد في كل يوم مقولة رسول كريم “لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوي”.