حرب المياه

on 06 June 2021, 01:48 PM
أ. د عبد الكريم الوزان
أ. د عبد الكريم الوزان


(شدوا فرد شدة على حسين) ، عبارة تردد بين العراقيين على وجه الخصوص ، وهي مأخوذة من واقعة استشهاد الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه  ، حينما خرج من مكة نحو العراق يوم الثامن من ذي الحجة في طريقه الى الكوفة ، حيث تمت محاصرته وأهل بيته وأصحابه  في معركة كربلاء ، وتسمى أيضاً واقعة الطف التي وقعت على ثلاثة أيام وختمت في 10 محرم سنة 61 للهجرة الموافق 12 أكتوبر 680م.

هذا القول تعبير عن انتهاك الحرمات الدينية والتاريخية لسبط النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن حجم الطغيان والظلم والقسوة والغدر والبشاعة ( والولية )  التي تعرض لها الامام الحسين رضي الله عنه وجماعة من أهله وأصحابه ، والذي أدى إلى استشهادهم  ، بعد ثباتهم على المبادىء الدينية والعروبية وقيم الرجولة والنخوة وإلايثار بكل شجاعة وإباء ، على الرغم من عدم وجود  تكافؤ بين الفريقين من حيث العدة والعدد ، وعلى الرغم من مكانة ونسب سيد شهداء أهل الجنة  إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والإمام علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنهما  . تلك الطريقة البشعة ، كانت بمثابة صدمة كبرى للمسلمين ، حيث باتوا ( سنة وشيعة) ، بل من كل الديانات والمذاهب ، وحتى في دول العالم وقادتها مثل قول الزعيم الروحي للهند ( المهاتما غاندي) :  ” من أراد أن يأخذ قدوة له في النضال ضد الظلم فليأخد الإمام الحسين بن علي.. وتعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر” ، باتوا يستذكرون مأساة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، كلما حلت بهم ذكرى عاشوراء.

وقفتنا اليوم عن انخفاض منسوب المياه في نهري دجلة والفرات ، وأزمة المياه ( المفتعلة)  في العراق بعد قطعه  أو التحكم به بشكل انتهازي من دول  إقليمية ( جارة )!!، لتضاف هذه المحنة إلى مآسي وويلات كثيرة تعرض لها أبناء الشعب العراقي ، مثل غزو البلاد واستباحة أرضه وقتل شعبه من قبل عشرات الدول ، من بينها دول عربية ومسلمة تخاف الله والرسول !!، وما تلا ذلك من حصار وتدمير  اقتصادي  يتمثل في حرق المزارع والمخازن والمؤسسات  والمصانع ، وحروب داخلية وطائفية موجهة وممنهجة ،  وتشويه مقصود للنسيج الاجتماعي العراقي ، ونشوء دولة عميقة داخل دولة تقليدية ،  وفساد وتخلف من كل النواحي ، وكل ذلك يأتي ضمن ( بروباغاندا ) دولية واقليمية لتذويب بلد اسمه العراق ، ومحاولة سلخه من جسده العربي والاسلامي ، في وقت يراقب فيه أبناء عمومتنا مجريات الأحداث ويستنكرون ثم يتناسون..و ” على قدر أهل العزم تاتي العزائم”  ،  وبهذا تكالب علينا العدو والصديق ،  و(شدوا فرد شدة على حسين)!!.

وحرب المياه ليست بالأسلوب الجديد ، فقبل أن يشهد العالم مانتعرض له الآن من حيف ، وكذلك قبل اشتداد الخلاف الحالي الكبير حول إشكالية سد النهضة بين أثيوبيا ومصر والسودان بشأن تقسيم الحصص المائية ، فإنه ” منذ تفكيك الاتحاد السوفيتي وإسدال الستار على الحرب الباردة في بداية التسعينيات من القرن الماضي ، والخبراء يتوقعون أن الحروب المقبلة هي حروب على مصادر المياه ، وقدّر العلماء أن تندلع أولى  حروب المياه في منطقة الشرق الأوسط ؛ لأنها منطقة تكتظ بالسكان ، وفيها نزاعات حادة على موارد المياه “(1). وهي تمثل  ابتزاز وصراع إرادات دولية من أجل تحقيق أهداف سياسية ، لدرجة أن مراكز بحثية توقعت أن تقع الحرب العالمية الثالثة بسبب حرب المياه .

وجميعنا يستذكر في سبعينيات القرن الماضي قطع الجانب السوري المياه عن نهر الفرات ، وتلا ذلك ذات الفعل من قبل إيران عام 1997  ، سواء قطع أو تجفيف أو تغيير مسار مثل ”  نهر الوند ودوبريج وكرخة والطيب وكنجان ونهر وادي كنكير وقرتو وهركينة وزرين جوي الكبير والزاب الصغير وكارون “(2) .
أما الجانب التركي فقد نجم عن قيامه  ببناء سد ( أليسو) على نهر دجله عام 2006  وإتمام عملية الملء بعدها ، إلى تحويل مياه بغداد وبعض المناطق الجنوبية إلى أشبه بالمسطحات المائية  ، ناهيك عن حصول أضرار بالثروة الزراعية والسمكية  ،  وكل شيء يتم تنفيذه  بلا تشاور وتحت حجج واهية .

إن المياه تدق طبول الحرب المقبلة في العراق وهناك من خبراء الأمن المائي من يحذر من عراق  بلا أنهر عام 2040 ، وملامح جفاف أراضيه تظهر عام 2025 لاقدر الله ، وهذا يتطلب تدارك الأمر ، من خلال تحقيق قسمة عادلة في توزيع المياه بين دول المصب والدول المتشاطئة  ، ووجود اقتصاد متين ونظام متحضر يقوما على أساس دولة قوية سيادتها كاملة غير مثلومة ، تتمتع بدبلوماسية عالية رجالها فطاحل سياسة وعلاقات خارجية أشداء على نظرائهم في الحفاظ على مكتسبات أرض الرافدين وعدم التنازل عن شبر واحد من أرضه ، وتكوين  نواة صلبة ضد الأجنبي الطامع  من خلال توحيد الرؤى والأفكار ووحدة القرار والهدف مع الدول العربية والإسلامية.  كما أننا بأمس الحاجة لقادة عراقيين يحبون العراق وشعبه ، يترفعون عن الضغائن والأحقاد وعُقد الماضي ،  لتضميد جراحات أبناء جلدتهم ، وحماية ديارهم ، وفي الأول والأخير، يبتغون حرث الآخرة بمنآى عن مفاتن الحياة الدنيا الفانية ، عندها يكون العراقيون قد ( شدوا فرد شدة ) على الظالمين!!.


1-أمين ساعاتي ، حرب المياه .. بدأت نذرها من إفريقيا ، https://www.alarabiya.net/aswaq/2013/06/09 ، 9 يونيو 2013
2- لائحة بالأنهار التي قطعتها ايران  عن العراق ، العراق نت ، 4 يونيو 2018