جمهورية اليهود المنسية

on 28 May 2021, 08:00 AM
بقلم / د . م صالح علي السحيقي

لا يعلم كثير من الناس أن جمهورية اليهود الأولى هي (بيرويدجان) التي تقع في جنوب شرق روسيا ، وقد نجحت إسرائيل في التعتيم على هذه الحقيقة ومنع الإعلام من زيارتها ، وهذه الجمهورية هي الوطن الأول لليهود في العالم ، كانت هجرتهم إليها قبل فلسطين إلى أن ظهرت الصهيونية وفكرة توطين اليهود في فلسطين ، وقد نجح الصهاينة في إبعاد الإعلام عن جمهورية اليهود الأولى التي تأسست بدون حاجة لاغتصاب أراضي من السكان الأصليين ، ويعتبر سكانها بالكامل من اليهود .

 

ما تخافه إسرائيل والدول الغربية الداعمة لها هو الترويج لفكرة عودة اليهود إلى موطنهم الأول في هذه الجمهورية وإقناع العالم بعودة آمنة لليهود المقيمين في فلسطين إلى (جمهورية بيرويدجان) ليعيشوا بأمان وسلام ينعموا بأجواء الثقافة اليهودية السائدة فيها ويتحدثوا لغة ال “يديش” لغة يهود أوروبا من دون أي معاداة للسامية كما تروج له الصهيونية العالمية حالياً .

 

تعتبر مدينة بيروبيجان هي المقاطعة اليهودية المهجورة، وكذلك تعتبر أول أرض تجـمّع فيـها اليهود مـن جميع أنحاء العالم في عـام 1928م، أي قبل إعلان قيام دولة إسرائيل بـحوالي 20 عامًا، حيث قرر ستالين في عشرينات القرن العشرين منح اليهود وطنًا في أقصى الشرق الروسي، فأنشأ رسمياً لهم مقاطعة “يفيرسكيا أوبلست” وتعني بالروسية: “المقاطعة اليهودية” التي تتمتع بحكم ذاتي، وعاصمتها (بيروبيجان) و هي جمهورية ذات الحكم الذاتي في روسيا الاتحادية مساحتها تصل ل 41,277كم تماثل مساحة بلد أوروبي مثل سويسرا بكثافة سكانية ضئيلة تصل ل ١٤ نسمة/ميل مربع مقابل ٩٤٥ نسمة/ميل مربع في الكيان الصهيوني ، وتقع بيروبيجان على بعد خمسة آلاف كيلومتر شرق العاصمة الروسية موسكو، وهي منطقة ذات كثافة سكانية منخفضة. ولا تزال هذه المقاطعة قائمةً حتى يومنا هذا، ويقول عنها الروس: إنه لا يسكنها غير حاكمها؛ فقد هجرها اليهود وتعللوا بسوء الأحوال بها؛ وتبلغ نسبة اليهود بها 2% فقط من السكان حالياً بعد أن هجروها ليهاجروا إلى أراضي الفلسطينيين .

 

بيروبيجان مدينة قادرة على توطين كل اليهود بالعالم بمن فيهم اليهود المغتصبين لأرض فلسطين ، وفي حال حدوث ذلك يمكن إنهاء مأساة تهجير العرب الفلسطينيين المشردين في أصقاع الأرض وتسهيل عودتهم إلى فلسطين ، لكن بالطبع فإن هذه الفكرة تتعارض مع أهداف الصهيونية العالمية والدول الغربية المستفيدة من وجود دولة إسرائيل في الوطن العربي والشرق الأوسط بسبب وجود إسرائيل القائم على تبادل المنافع في حماية المصالح الغربية والاعتماد عليها للقيام بحروب الوكالة في بعض الأحيان ضد من يهددون مصالح الغرب وأولهم العرب .

 

وقصة مدينة بيروبيجان بدأت عندما أرسل ستالين مبعوثيه إلى الولايات المتحدة وأوروبا وفلسطين، وكان هؤلاء المبعوثون يحملون لليهود ولحكومات الدول التي يعيشون فيها رسالة واضحة ومحددة وهي أن ستالين ولأول مرة في تاريخ الدولة البلشفية يعترف بالوضع الخاص لليهود، وقد قرر منحهم جمهورية مستقلة ذاتيًا يبنون فيها كيانهم الذاتي وشخصيتهم المستقلة مع السماح لهم بإنشاء مدارسهم الخاصة يتعلمون فيها لغة (البديتش)، وما جعل رسالة هؤلاء المبعوثين أكثر جدية وإقناعًا أنهم كانوا يحملون ألبومات من الصور يظهر فيها يهود بيروبيجان وهم يعملون فوق الجرارات الزراعية في حقولهم، وتظهر ابتسامات أطفالهم واسعة وهم يلهون في مدارس تحمل أسماء عبرية ، وفوق كل هذا فقد أضاف ستالين “مكرمة” جديدة وهي منح كل يهودي عند وصوله إلى بيروبيجان للاستقرار فيها مبلغ 600 روبل -وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الزمان- يعينه على بناء حياته الجديدة في جمهوريته الذاتية.

 

ولقد كان هدف ستالين من إقامة كيان لليهود في الاتحاد السوفيتي السابق هو إبعادهم عن مراكز اتخاذ القرار، أو بمعني آخر أراد التخلص منهم وتقليص نفوذهم، وبالفعل جاء إليها اليهود من جميع أنحاء العالم ليعيشوا فيها فقد جاء يهود من الأرجنتين وفنزويلا ومن سان فرانسيسكو بحثًا عن معيشة أفضل، وسرعان ما بدأت هجرة اليهود من بيروبيجان، ولتحقيق ذلك قامت أغنى المؤسسات في بيروبيجان وهي مؤسسة (سوكنوت) وهي فرع من الوكالة اليهودية بتوفير مساعدة سخية لتشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين المحتلة. ومن بينها توفير تكلفة السفر بالطائرة؛ لأن كثيرون من اليهود الروس لا يملكون القدرة على توفير ثمنها. وفي كل يوم إثنين وخميس من كل أسبوع كان يحتشد المئات أمام أبواب الوكالة.

 

ولقد ظهر حينها جلياً أن الحركة الصهيونية تلقت مشروع (بيروبيجان) بالقبول على أن يكون محطة وتجربة من أجل الوطن المستقل لهم وهو فلسطين المنوي اغتصابها ولا بديل عنها، وقد عبر عن هذا الموقف- لحظة إعلان ستالين القرار- رئيس المنظمة الصهيونية يومها حاييم وايزمان الذي قال: ((نبارك هذا المشروع ونحييه، ليس بديلاً عن التفكير في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بل باعتباره تجربة أولى لفكرة الوطن القومي اليهودي)) !!

 

الشيء الذي يجهله العرب أن جمهورية اليهود هذه تأسست بدعم وتشجيع من يهود أمريكا أنفسهم ممثلين في هيئة كانت تضم في عضويتها عالم الفيزياء اليهودي أينشتاين والكاتب الأمريكي المعروف غولدبرغ ، وهكذا خدعت الصهيونية العالمية العالم أجمع عندما زعموا إبان الحرب العالمية الثانية أنهم في أمسً الحاجة إلى أرض فلسطين كوطن قومي لهم وأنهم مشردون بالأرض ولا يوجد لهم وطن قومي يأويهم وتذرعوا بذلك لتشريد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم …

 

أثناء تفكك الاتحاد السوفياتي كانت هذه الجمهورية مؤهلة لإعلان الاستقلال عن روسيا الاتحادية مثلها مثل الشيشان ، ولكن الصهيونية منعت حدوث ذلك بسبب حساسية ظهور جمهورية خاصة باليهود في مكان غير فلسطين وخطورة رفع الوعي لدى يهود العالم بوجود تلك الدولة وتحويل هجرتهم إليها بدلاً من فلسطين ، والشيء الغريب أن الغرب دفع بالعرب والمسلمين للجهاد لتحرير الشيشان وفك ارتباطها من روسيا وكان بإمكانهم فعل الشيء نفسه ودعم جمهورية بيرويدجان للاستقلال عن روسيا وجعلها وطن بديل لليهود عن فلسطين.

 

الغريب أن العرب لا يتحدثون عن هذه الحقيقة ولا يعرف المواطن العربي شيئاً عن هذه الحقيقة بالرغم من زيارة وفد مجلة العربي الكويتية بالثمانينات على ما أذكر وعمل استطلاع كامل عن هذه الجمهورية …

حقيقة يمكن الترويج لها كوطن يمكن إعادة ترحيل يهود فلسطين إليها وإعادة الفلسطينيين إلى بلدهم فلسطين ، لماذا التعتيم ولماذا يسكت العرب والمسلمون عن هذه الحقيقة ؟ !!!