"الكُشتبان" ووخـزُ الإبـرَة

on 07 March 2020, 12:00 PM
بقلم:د. سونا عمر عبّادي  الأستاذ المساعد في القضاء الشرعي والتحكيم  جامعة العلوم الإسلامية العالمية- الأردن
بقلم:د. سونا عمر عبّادي الأستاذ المساعد في القضاء الشرعي والتحكيم جامعة العلوم الإسلامية العالمية- الأردن

منذ صغري وكان يلفت انتباهي استعمال الخياطين “للكشتبان المعدنيّ” يغطون به رؤوس الأصابع أثناء الحياكة، وقد يلبس الخياط أكثر من “كشتبان” لمواجهة وخز الإبرة، أدركت بعدما كبرت أن مهنة الحياكة تحتاج إلى تركيز ودقة، وأنه تعتريها صعوبة في مواجهة الإبرة لفترات طويلة، ولابد من تخفيف معاناة وخز الإبرة المتكرر بمثل هذا “الكشتبان”.

صورة ربما تكون موسعة أو مضيقة لما يواجه الإنسان من آلام في حياته، فالمنعكسات التي يمر بها الإنسان في الطلب أو الرغبة أو اللذة أو الطموح أو النجاح أو غيرها مما يسعى إليه تعترضها الآلام، والمرض والهرم والظلم والقهر ترافقه أيضاً آلام، وهذا ما يفسر قول (شيرنغنتون) في تحليله لفيسيولوجيا الألم: أنه ملحق فيزيائي لمنعكس وقائي إلزامي، وهذا يعني أيضاً أن الألم يخفي الدوافع الحقيقية للوصول إلى المساعي أو الرغبة في تحقيقها، ويرى آخرون أن الألم مجرد شعور عاطفي يعتري الإنسان عند انفلات قدرة التحكم الذاتي في موقف يمر فيه، وبعضهم يعتبره عقوبة من الله على التقصير الذي يتعمده الإنسان في مسيرته، بينما يراه آخرون سبيلاً للإبداع، والعبارة المشهورة: “الإبداع يولد من رحم الألم”، ليست إلا تلك الثورة الإيجابية التي تنير العالم من أناس احترقت أرواحهم ولكنهم رسموا نجوماً في السماء بإبداعات أقلامهم، كما تقول (إيزابيل الليندي) وهي تراقب وتكابد آلام ابنتها الشابة التي توفيت أمامها فسطرت آلامها وآلام ابنتها في سيرة ذاتية كانت إلهاماً لكل محزون، فهو ليس مجرد نسخ لخلل عضوي في الوعي، بل إنه يمزج الجسد والمعنى كما يعبر عنه (لوبروتون دافيد).

إذن تتعدد الأسباب والأصول المرتبطة بالألم، وفي كل نطاق فكري ونفسي وفلسفي واجتماعي وغيره مما يعتري حركة الإنسان في الحياة نجد نافذة تطل على نوع من الألم، ومن هنا ينبغي تحديد التعامل مع الألم ضمن تناسق صحيح بين ما يمر به الجسد من مشاعر وبين ما يدركه الفكر من تحكم بمنعطفات الألم، علينا أن نتعلم كيف نمسك بالكشتبان، لا لأنه سيقينا من وخز الإبرة، ولكن لأننا سنعرف كيف نشكر ونرضى ونمتن لكل شيء بسيط قد لا يمثل لنا قيمة في الروتين المتكرر، ولا يلتفت إليه المرء إلا بعد فواته، يعلمنا الألم كيف ننهض من جديد، وأن اكتساب الخبرة من التجربة تعني أنك تعترف بضعفك وتتقوى بمعاناتك، يعلمنا الألم أن الصراخ لا يجدي، وأن الصمت خير من سيسمعنا حقيقة ما يجري، يعلمنا الألم كيف نصل إلى الإيمان والإنسانية والأهداف السامية، وكيف نقاوم اسوداد الحياة بتغيير ألوانها نحو القيم والفضيلة، لا يعني ذلك توقف الألم، فالكشتبان والإبرة يتعاركان في يد الحائك، ولكن بعد ساعات أو أيام سنتأمل ثوباً مميزاً منسوجاً بعناية وجمال رغم الألم.

د. سونا عمر عبّادي الأستاذ المساعد في القضاء الشرعي والتحكيم جامعة العلوم الإسلامية العالمية- الأردن