(القراءة الحرفية للنص القرآني وأثرها في الأنحراف الفكري)

on 02 October 2020, 01:11 PM
أ. د خالد الألوسي
أ. د خالد الألوسي

 بقلم الاستاذ الدكتور خالد إبراهيم مسلم الآلوسي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:فإن القرآن الكريم كان ولايزال ينبوع الأمة الصافي ومعينها الذي لا ينضب على مر العصور وكر الدهور ولا يشبع منه العلماء فينهلون منه ما ينير درب الأمة على اختلاف مشاربها إلا أنه وجد في جانب هؤلاء العلماء فئة دخلت في بيان القرآن لا تعتمد على المنهج العلمي الرصين في تأويل القرآن وإنما اكتفت من القرآن بحرفيته دون الأخذ بالتأويل الصحيح فأحدثت في الأمة أزمة في الفهم الصحيح وتشكيكا لما في التنزيل وكان هذا نتيجة الحرفية المقيتة التي أدت إلى الانحراف في التفكير واعوجاجا في التطبيق فغالت في تطبيقاتها في المجتمع المسلم فجانبت الصواب في فهم النصوص وقد وجدت هذه الفئة في كل زمان تحاول أن تنحرف بالأمة عن الأسس التي أسسها صاحب التشريع لها وقد نبه القرآن الكريم إلى هذه الفئة وذمها وأثنى على العلماء العاملين الذين جعلوا من المنهج العلمي ومن التأويل الصحيح نتيجة الأفهام الصحيحة منهجها في التعامل مع القرآن الكريم فقال عز من قائل:( وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)[النساء:83] هذه الحرفية التي ذمها الله كما ذكر ذلك ابن القيم في بيان الفئتين في نظرتها للقرآن الكريم أدت إلى حالة إرباك في صفوف الأمة والتي أدت إلى انحراف في الفكر وأقصد بالقراءة الحرفية:هو التمسك بالنص حرفيا أي  بحذافيره دون النظر إلى المعاني التي يحتملها اللفظ والوقوف على ما يراد من النص ظاهرا دون إعمال الفكر وبيان دقائق ما يحتمله من معان. حقيقة القراءة الحرفية أنها عملية فكرية تحول الرموز الحرفية إلى نصوص مفهومة لكن هذا في الأطار العامة للقراءة وهذه القراءة كانت قاصرة في المفاهيم التي استجدت في العصر الحاضر لأن هذه القراءة النصية أو الحرفية قد تؤدي إلى اضطراب في الفكر مما يؤثر على حالة الإنسان سلبا أويجابا ولكي تكون القراءة مقبولة لا تؤثر على الإنسان في حالة السلب بل في حالة إيجابية لا بد من أن يكون هناك فهم يجعله يواجه المشكلات والانتفاع بها في المواقف الحيوية لا أن تكون هذه القراءة في إحداث مشكلة نتيجة الفهم الخاطئ ولكي تكون القراءة صحيحة لا بد ان تخرج من الحرفية التي تهوي به في المشاكل فإن مفهوم القراءة المتطور هو إدراك الرموز المكتوبة والنطق بها ثم استيعابها وترجمتها إلى أفكار وفهم المادة المقروءة ثم التفاعل مع المقروء وبعكس هذا سوف تكون هناك حالة من الانحراف الفكري الذي يشكل سببا من أسباب الأنحراف والذي بدوره يحدث حالة من الاضطراب في المجتمع لذا فقد قرر العلماء أن هذه الحالة هي أحد أسباب الأنحراف التي تؤدي إلى أن تتحوَّل أوهام الناس وتخيلاتهم أو ظنونهم إلى حقائق علمية وعقائد ثابتة،دون أن يكون لها نصيب من الحقيقة، ودون أن تمر في مراحل الطريق المنطقي السليم للمعرفة، وبذلك يقعون في ضلالات فكرية ذات نتائج خطيرة وتبدأ هذه القراءة الحرفية من اتباع الظن الضعيف الذي هو دون مستوى الرجحان، لافتقاره إلى دليل عقلي أو علمي يقوّيه ويرجحه، وهذا هو الظن التوهمي الكاذب  ويستحوذ على الفكر أخيراً، وعندئذٍ يتبع صاحب هذا الظن الضعيف ظنه معتقداً أنه حقيقة فهو خطأ في الإدراك والتصور، بحيث لا يرى المرء الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه، وصاحبه يظن الصواب خطأ، والخطأ صوابًا، ويرى الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا …وهذا الانحراف الفكري نتيجة القراءة الخطأ تجلى في الفرق القديمة ولاسيما منهم الخوارج ففي قوله تعالى:(إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون){يوسف:87} قالوا: والفاسق – لفسقه وإصراره عليه – آيس من روح الله، فكان كافرا.فهذا التأويل  يعد من أخطر انواع الانحرافات،وقد وجدت في الوقت الحاضر فئة من هؤلاء في الوقت الحاضر نؤخر كلامنا عنها في المقالة القادمة ونستأنف القول ونقول وأسرار القرآن لا تنكشف دون الفهم الصحيح المنضبط مع التفكر في معاني النص ومدلولاته ودقة التأمل وطول النظر وفي هذا يقول ابن القيم الجوزية “وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِيمَا عَلَّقَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ الْأَحْكَامَ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ بِأَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيهَا، وَلَا يَقْصُرَ بِهَا، وَيُعْطِيَ اللَّفْظَ حَقَّهُ وَالْمَعْنَى حَقَّهُ؛ وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ – تَعَالَى – أَهْلَ الِاسْتِنْبَاطِ فِي كِتَابِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاسْتِنْبَاطَ إنَّمَا هُوَ اسْتِنْبَاطُ الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ وَنِسْبَةُ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، فَيُعْتَبَرُ مَا يَصِحُّ مِنْهَا بِصِحَّةِ مِثْلِهِ وَمُشْبِهِهِ وَنَظِيرِهِ، وَيُلْغَى مَا لَا يَصِحُّ،وقد قال الأمام علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) في هذا المجال عندما سئل عن أمر تخصيصهم دون الناس من قبل النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: “هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه”ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه ومعرفة حدود كلامه بحيث لا يدخل فيها غير المراد ولا يخرج منها شيء من المراد، فمن طبيعة القرآن أن اللفظة الواحدة منه قد تحتمل أكثر من معنى  وهذا ما قرره الإمام علي رضي الله عنه لما  قال له ابن عباس في شأن الخوارج:  يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنَا أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْهُمْ فِي بُيُوتِنَا نَزَلَ قَالَ: صَدَقْتَ وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ تَقُولُ وَيَقُولُونَ وَلَكِنْ خَاصِمْهُمْ بِالسُّنَنِ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصًا فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَخَاصَمَهُمْ بِالسُّنَنِ فَلَمْ تَبْقَ بِأَيْدِيهِمْ حُجَّةٌ  .وإلى هذا أشار أبو الدرداء (رضي الله عنه) حين قال “لا يكون الرجل فقيها حتى يحمل الآية الواحدة على محامل متعددة ،وهذه الطبيعة للقرآن الكريم لها أنواع شتى منها اللفظ المشترك الذي يحمل أكثر من معنى ومنها اللفظ المتردد بين حمله على المجاز أو الحقيقة وغير ذلك مما يجعل اللغة تكتسب اتساعا كبيرا أكثر من غيرها مما تعظم معه الأهمية وتشتد الضرورة بسببه إلى الإحاطة بألفاظها ومراميها القريبة والبعيدة مع فهم مقصد المتكلم ومراده ومعرفة مآلاته  ولقد كان الرسول يناطق العرب بلغتهم كما يناطقهم بعرف شرعه، فصحة التفسير يكفلها شرح التراكيب القرآنية ببيان المقصود من ألفاظ القرآن بحسب ما جرى عليه استعمالها في اللغة العربية .وهذا له أثره في فهم المعنى لأنه به  تدرك المعاني القريبة والبعيد من اللفظ وهذا يجعله يفسر القرآن ضمن هذه المعاني الموافقة للفظ والمراد والتي توسع من مفهوم الآية،كما ينبغي أن يلاحظ ما قاله الذهبي في الفهم الصحيح المصاحب للقراءة الحرفية فقال:” يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة، ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب، فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى، فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه، بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ الهداية وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية: فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إن القرآن يفسر بعضه بعضا، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سيق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته”  وبهذا نرى أن القراءة الحرفية قد تؤدي إلى الانحراف في الفكر والتطرف والغلو كما حدث للمتمسكين بحرفية النص وفي الكلام بقية لعلنا نتوقف عليها في عدد آخر لننهي ما بدأناه لأن الموضوع جد خطير ولنا معه سلسلة لعل الله أن يمد في أعمارنا ونرتشف من عبق القرآن وروحيه المعنى الكثير المنضبط بضوابط الشريعة والحمد لله رب العالمين