التكيف الثقافي والعقود النفسية للمغتربين

on 26 March 2020, 08:00 AM
بقلم : د. هاجر أبو الفضل
بقلم : د. هاجر ابو الفضل أستاذ الادارة جامعة ماليزيا

تحدثنا في المقال السابق عن العقود النفسية وأنها تنشأ وتتكون قبل البدء في العمل. ولأنها عبارة عن “قيم مدركة في أذهان أصحابها”، فإن عدم وجود خبرة اغتراب سابقة أو وجود خبرات في بلاد غير مماثلة قد تساهم بشكل كبير في رسم عقد نفسي مضلل وغير صحيح. لذلك فإن فهم العقد النفسي للمغترب يعد أمر أكثر تعقيداً عن حالات العمل في البيئات المألوفة.

إن أول مايقابل المغترب هو شعور الصدمة بين “ما توقعه” قبل أن يأتي إلي بلد الإغتراب و”ما وجده”، عند هذه النقطة يفشل الكثير في تخطي ماتوقعه، وقد يرجع البعض لبلده بعد فتره وجيزة جداً. أثبت الدرسات أن نسبة فشل المغتربين قد تصل إلي 83% في بعض الأحوال. وأكثر الدراسات تفاؤلاً أكدت علي أنها قد تصل إلي 25%. البعض يستمر ولا يقرر الرجوع لأسباب مختلفة، ولكن هذا لا يعني النجاح. لأن النجاح يرتبط بعدها بمهارات المغترب التي تؤهله للتكيف مع الصورة الجديدة ومدي سرعتها ودرجاتها.

إن العقود النفسية تتميز بكونها ديناميكية وليست ثابتة. أي أن مايعتقده ويرسمة الفرد عن الوظيفية الجديدة يتغير ويتطور مع البدء والاستمرار، وكذلك فإن طبيعة العلاقات بين الفرد والزملاء بعد التوظيف تؤثر علي هذا التصور. العلاقات مسألة متبادلة أي أن مايعطيه  لي “الأخر” يؤثر علي ماأعطيه “أنا” له، وما أعطيه “أنا” يؤثر مرة أخري في مايعطيه “الأخر”. فالعلاقات بمثابة دائرة تستمر في التأثير بشكل متبادل بين الطرفين. لذلك فإن التكيف الثقافي يعد أحد أبرز العوامل المؤثرة علي انسجام تلك العلاقة.

إن مسألة التكيف وطبيعته وتقسيماته قد تختلف من مكان لآخر تبعاً لمدي الإندماج الثقافي بين بيئة الشخص الأصلية وبين البيئة الجديدة. لكن بشكل عام يمكن أن نقسم التكيف إلي ثلاث أقسام وهم، التكيف مع البيئة العامة، والتكيف مع الحياة الاجتماعية ،والتكيف مع الوظيفة.

يتمثل التكيف مع البيئة العامة في مدي قدرة الفرد علي التكيف مع الطعام والمناخ العام. قد يبدوا الأمر بسيطاً علي المدي القصير، لكن التجارب الحقيقية تؤكد أن عدم التكيف والتقبل لأبعاد الحياة العامة تمثل تكديراً للصفو العام و للنفس البشرية وتؤثر علي شعور الراحة بشكل عام. أما عن التكيف مع الحياة الاجتماعية فيتمثل في التكيف مع اللغة والعادات والتقاليد، وطرق التواصل بين الأفراد في المجتمع الجديد. ويعد التكيف مع العادات والتقاليد وطرق التواصل من أصعب وأكبر مشكلات التكيف الحقيقية. فهي تحتاج إلي نوع عالي جداً من “الذكاء الثقافي” و”الذكاء الاجتماعي والعاطفي”. النقطة الثالثة من أبعاد التكيف هي التكيف مع الوظيفة، وتتمثل في مدي القدرة علي فهم الأبعاد الخاصة بالمسؤوليات المهنية والأبعاد الإدارية والعلاقات الوظيفية ومراكز القوي. أكدت الدرسات أن التكيف والمهارات المؤدية له هما العنصر الأساسي في النجاح الوظيفي في حالات الإغتراب. ولا سيما أنه العنصر المؤثر أيضاً في مرونة واستيعاب التغيرات التي تكتنف العقد النفسي للفرد عندما ينتقل لبيئة غير مألوفة.