التفاوض

on 12 July 2020, 11:47 PM
د. مجدي شرارة
د. مجدي شرارة

هو حالة الوصول إلى اتفاق يرضى أو يحقق مصالح الأطراف موضوع التفاوض كبديل للصراع … أو هو طرفان اتفقا على أن يخسرا من أجل الوصول الى اتفاق (فن التنازل )،والمعنى الحقيقى لرضا أو قبول أطراف التفاوض ، هو أن يحافظ كل طرف على ثوابته … ولا تصدق أنه لا شروط مسبقة عند التفاوض ، وإلا افتقد التفاوض معناه …. ( وهذا قد يكون صحيحاً ) ، فكل طرف فى التفاوض يعرف أنه ينطلق من ثوابت ومتغيرات ، قد لا يعلنها ، وقد يعلن بعضها ،. لكنه يعرف تماماً أن هناك ثوابت تمثل الخط الأحمر الذى لا يمكن تجاوزه .. لأن حالة الاستسلام فى التفاوض هى الحالة التى لا يستطيع أحد الأطراف أن يحافظ على ثوابته أو يكسر ويجاوز الخط الأحمر الذى وضعه لنفسه لصالح الطرف الآخر .

التفاوض مثل اتخاذ القرار يتم وفقاً لثوابت ومتغيرات ،  بمعنى أنه يتم اتخاذه تحت شروط معينة مثل أن لا تتجاوز التكلفة حد معين … وهكذا التفاوض هو القبول دون التضحية بالثوابت أو تجاوز الخط الأحمر ، وهنا قد يثأر التساؤل التالى إذا على ماذا يتم التفاوض ؟ إذا كان كل طرف من أطراف التفاوض  يتمسك بالثوابت والخط الاحمر ؟… الإجابة نتفاوض على كيف نتلاشى الآثار السلبية لكسر الثوابت ، وكيف نبحث عن طرق تجمع بين صالح كل الأطراف وفى نفس الوقت نحافظ على  القدر الذى لا يؤدى إلى حدوث الضرر الجسيم نتيجة كسر الثوابت .

أسوأ أنواع التفاوض هو التفاوض المفتوح الذى لم يحدد له سقف زمنى محدد ، ولم يحدد فيه الاتفاق المسبق على تعاريف لكل المصطلحات التى سيتم مواجهتها أثناء التفاوض سواء وفقاً لمرجعيات ثابتة ، أو تم التعارف عليها وفقاً لأسس ومبادىء ومعارف موضوعية استناداً إلى العقل والمنطق … والأهم أن يتم التحديد المسبق بوضوح شديد للغرض من التفاوض ، أو على الأقل الأهداف العامة له ( التى تمثل نقاط الاتفاق المشتركة ) ليتم التفاوض على الأهداف الخاصة التي تحدد رضا وقبول أطراف التفاوض … وكذلك فإن التفاوض السىء هو الذى تنعدم فيه مرجعيات محددة تتسم بالقدرة على الحسم  عند الخلاف ، ويكون عليها اتفاق تام من كل الأطراف … أما الاتفاق السلس والناجح .. هو الذى يكون به قدر كبير من تفهم أطراف التفاوض لثوابت كل منهما ، والخطوط الحمراء الذى لا يمكن تجاوزها ، وايضا احترام وتقدير والتزام بكل عناصر البرنامج المحدد للتفاوض سواء من حيث الزمن والإجراءات .

لا يعيق التفاوض ويعصف به قدر الخداع الذى هو كذب وتضليل متعمد ، أو إخفاء النوايا … وكذلك إطالة وقت التفاوض إلى حدود غير منظورة ، لإطالة الوقت دون الوصول إلى نتائج محددة تشير إلى تحقيق بعض الأهداف حتى ولو كانت أهداف فرعية وفقاً لبرنامج التفاوض أو إلى ماهو متوقع منه ، لأنها تعنى نوع من الخداع من الطرف الذى يقوم به ، حيث تعطى بعض نقاط القوة فى مقابل بعض نقاط الضعف للطرف الآخر .

المناورة فى التفاوض غير الخداع ،فهى أحد أدوات الإدارة والسياسية التى تعنى بإيجاد بدائل متعددة أو حلول أخرى للحد من العقبات التى يصنعها الطرف الآخر في سبيل إعاقة الوصول إلى الهدف سواء عند التعنت أو المراوغة … فهى غالباً ما تكون فى مواجهة أحد أطراف التفاوض أو الطرف الآخر تجنباً للصدام أو القطيعة أو إيجاد حالة نزاع ( حرب ) فى المناورة قد تعيد تصميم أهدافك ، وقد تؤجل بعضها ، وقد تغير طرقك واساليبك ، وقد تتراجع مرحليا ، وقد تستقطب عناصر جديدة ، وقد تنشأ تحالفات ، وقد تغير فى تركيبة المصالح … المهم أن لا تصل إلى حالة الصراع ، ولا الانسحاب والهزيمة ، واعلم أن المناور الجيد يعرف كيف يصل إلى الهدف دون خداع أو طرق غير مشروعة أو غير أخلاقية مهما كانت العقبات والعوائق .

فى التفاوض قد تحدث حالة التكيف من قبل أحد أطراف التفاوض ، وهى تعنى بعملية إعادة ترتيب الأوضاع لإحداث توازن فى الموقف عند مستوى أقل من اهدافك نتيجة متغيرات خارجية وداخلية مفاجئة ، وذلك بإعادة ترتيب الأمور بما يتناسب مع مواجهة هذه المتغيرات دون الحصول على نفس النتائج المستهدفة من قبل .

وضع فى الاعتبار أن المناورة غير التكيف فهى تعديل موقف فى مواجهة حالة تعنت أو تعثر فى المفاوضات قد تعوقك عن تحقيق أهدافك … أما التكيف فهو ليس مع اى من أطراف التفاوض كما فى حالة المناورة ، ولكنه فى مواجهة ضغوط من قوى غير معلومة أو معلومة ، وقد تكون نتيجة متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية و كوارث بيئية اثرت على التفاوض .

وتذكر دائماً أنه لا تنازل فى المناورة عن الهدف مهما حدث .. فالغرض من المناورة أن لا تحدث خسائر أو لا تصل الأمور إلى حالة الصراع .. أما التكيف فقد تتنازل فيه مرحلياً .

وتذكر دائماً أن المهارة الأساسية فى إدارة التكيف  أن لا تتنازل دون مقابل ، وأن تخطط جيداً لتدعيم الاستعداد واسترجاع القوة … وأما المهارة الأساسية فى إدارة المناورة أن لا تصل إلى حالة الصراع أو النزاع ( الحرب ) .

وفى النهاية عندما يكون الزمن مفتوحاً وبلا نهاية منظورة ، وعندما لا تجدى المناورة ، ولا التكيف …. توقف عن التفاوض ،وابحث عن طرق أخرى تحقق أهدافك وفقاً لأسس جديدة .. قد يكون من بينها إعادة التفاوض وفقا لمبادىء مختلفة إذا كان الوقت يسمح بذلك .