الأسرة والجندي الخائن

on 19 December 2020, 08:00 AM
أ. إسماعيل عبدالواحد
أ. إسماعيل عبدالواحد

من حكمة الله تعالى لعمارة الكون وبديع صنعه أن  جعل الاسرة نواة بناء المجتمع، وجعل اجتماع الزوج والزوجة سبباً في بقاء النوع البشري عن طريق الإنجاب والتكاثر، حيث قال الله تبارك وتعالى” والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة” فالأسرة هي اللبنة التي يقام ويرفع بها صرح المجتمع كله، فإن كانت اللبنات قوية صالحة كان البناء قوياً صالحاً والعكس بالعكس. ومن أهم  صفات الأسرة المسلمة اقامة  حدود الله في جميع شئونها ، أن تكون هي البيت المسلم الملتزم بشرع الله، هي الأسرة التي تؤدي واجباتها الشرعية من توحيد وصلاة وصيام وصلة أرحام علي خير وجه ثم تقوم بواجبها تاماً نحو أبنائها من تعليم وتأديب وتهذيب وتوجيه ولا تقصر في شئ من ذلك.

ومن الحقائق الدامغة  أن الأفراد الصالحين المستقيمين النافعين لأنفسهم ولمن حولهم لا  يخرجون إلا من أسر صالحة مستقيمة، فإن الأسرة هي مصنع الذرية الصالحة أو الفاسدة، فصلاح حال المسلمين يبدأ بصلاح أسرهم وفساد حال المسلمين يبدأ كذلك بفساد أسرهم، وهنا تكمن أهمية صلاح الأسرة .

 

وهناك عدد من الأحاديث النبوية  تبين أهمية الأسرة وشدة تأثيرها علي من يخرج منها صلاحاً أو فساداً ،ولعل أوضحها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال ” ما من مولود إلا يولد علي الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه  أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه- اقرأوا قول الله تعالي إن شئتم ” فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم” فما من مولود إلا يولد علي التوحيد الخالص فما أن يشب عن الطوق حتي يقع عليه تأثير أسرة تحفظه وتتعهده بالرعاية والعناية فإنها تقلل تأثير ذلك المجتمع الفاسد، فلا يتحجج أحد ويقول المجتمع فاسد، فبصلاح الأسرة لا يظهر علي الفرد من تأثير المجتمع الفاسد إلا ما لا بد منه.

 

إن أدل دليل علي أن الأسرة قادرة علي إصلاح أفرادها من الشتات والضياع والانحراف هو أن الله تعالي قد فرض عليها ذلك وكلفها به، والله لا يأمر إلا بالمستطاع، فلقد صدر الأمر الإلهي المباشر إلي المسؤولين عن الأسرة” يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة” وأول الأهل هو الزوج والأولاد الذين هم بقية الأسرة، وما دامت الأسرة قد أمرت بوقاية أبنائها من النار بالتعليم والتهذيب والتقويم، فهي قادرة علي ذلك.

 

 وهذا أمر نبوي موجه إلي الأسر ومحملاً إياها مسؤولية إصلاح أفرادها يرويه عبدالله بن عمر فيقول:” سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في بيته راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته، قال فسمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم- وأحسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راعٍ كلكم مسؤول عن رعيته” وهكذا كلف الإسلام الأسرة بحماية أبنائها من كل شر، فلتقم أسرنا بواجبها خير قيام لأنها ستحاسب عليه يوم القيامة.

 

وثمة تساؤل ، ماذا لو خرج أحدنا في البرد القارص، والمطر الغزير إلي الشارع العام بملابس خفيفة لا تغني من البرد والمطر؟ ماذا يحدث له؟ ماذا لو خرج في الشمس الحارقة  يتجول في الصحراء بلا مظلة ولا حائل ؟ ليست هذه النماذج التي عرضتها علي حضراتكم ببعيدة عن المجتمع إذا ما تخلت أسره عن القيام بواجبها في تحصين أفرادها وحمايتهم، إن تلك الأسرة المتخلية المقصرة المضيعة لواجباتها كجندي خائنٍ دل العدو علي أسرار قومه أو كمحارب جبانٍ فر هارباً وترك المغيرين يستبيحون بيضة قومه، أو كحارسٍ رعديد ذهب يعاقب الخمور وترك الثغور بلا حراسة ،  بل دعوني أقرر في غير ما تردد أن الأسرة المفرطة في واجباتها أكثر جرماً وأفدح خطيئة من هؤلاء جميعاً.

 

إن الأسر التي فرطت  في التعليم والتأديب والتوجيه  لأبنائهم فتركت المجال للعدو أن يغزو عقولهم وقلوبهم  حتي باتوا  تبعاً وذيلا لعدوهم أجرمت في حق أبنائها ومجتمعاتها ، ثم هذا الجندي الخائن وذلك المحارب الجبان  ، ما هم جميعا إلا ثمرة أسر مقصرة مفرطة أهملتهم حتي ضاعوا. ويا له من جرم عظيم ارتكبته  تلك الأسر الخائنة لأماناتها أو ما سمعوا عبدالله بن عمرو عن رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – قائلا : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول ” فقد ضيعت الأسر أفرادها وضيعت نفسها وحجبت عنهم مصابيح الهداية والنور لما حرمتهم بركات القرآن والسنة والدين والإيمان، فما وقتهم ولا وقت أنفسهم ناراً وقوها الناس والحجارة. 

 

وفي نهاية المقال أدعو نفسي واياكم إلى أن تكون بيوتكم محاضن خير وهدي ونور وصلاح وأن تكون مفرخة للأبطال والأفذاذ من الشباب والفتيات، فاصرفوا كل أوقاتكم في العناية بأسركم، علموهم أدبوهم، حصنوهم ضد التيارات الفاسدة والموجات الملحدة، فلتكن بيوتكم حصنا ً منيعاً يقصي الخبال ويقود إلي الفلاح تسعدوا في الدنيا والآخرة.